ذلك الليل الذي غيّر نظرتي للتخيييم 🏕️
قبل أسبوع من رحلتنا قررت أنا وجواد أن نخيم. أثناء اتخاذنا للقرار وضعنا عهدًا وأقدمنا عليه بدون تراجع، حتى وإن ساءت الأجواء فالرحلة لن تُلغى. كنا في الإقامة الجامعية ندرس ونتمرّن ونقوم بالمهام اليومية التي برمجنا عليها. طوال الأسبوع كنت ألاحظ اضطرابات جوية عديدة، حتى قلت إن الرحلة ستكون مغامرة. ولأتأكد من ذلك قمت بمتابعة أحوال الطقس حتى يوم الثلاثاء، وهو اليوم الذي كان علينا أن نقرر فيه المكان الذي سنذهب إليه. حدثت أمور فأجلنا ذلك إلى اليوم الموالي.
قمت بتحضير وتجهيز حقيبة التخييم بكل المعدات اللازمة، وأنتظر فقط أن تعتدل الأجواء لنحدد الوجهة. بدأت أفكر في إلغاء الرحلة، لكن لم أرد ذلك لأن صديقي أمين أقدم على كراء معدات التخييم للذهاب معنا، ومن العيب أن أقول له إن الرحلة أُلغيت. فكرت وفكرت… ما الحل؟
كنت أنا الوحيد الذي يتحرّى الطقس، فقلت في نفسي: لماذا لا أجمع أصدقائي في محادثة على إنستغرام لنتوصل إلى حل جماعي؟ بعد تحليل طويل قررنا الذهاب إلى “لاك نوار” بولاية تيزي وزو، وكنا نعلم مسبقًا أن يوم الخميس ستكون الأجواء مضطربة في تلك المنطقة.
في صباح الخميس، وعلى الساعة الثامنة، بدأت رحلتنا. على متن الحافلة الجامعية كنت أنا والأولاد ذاهبين إلى محطة الحافلات في أجواء صباحية جميلة. والذي أثارني أن الطقس كان رائعًا وهادئًا. بعد وصولنا إلى المحطة ركبنا الحافلة المتجهة إلى الولاية. أقلعت الحافلة، وعندما كنا في منتصف الطريق بدأ الجو في الاضطراب. أتذكر أن المطر كان يهطل بغزارة، ونوافذ الحافلة مملوءة بالماء والبخار الذي يحجب الرؤية. كانت أجواء مريحة نوعًا ما.
وصلنا إلى المحطة، فأردت أن أحمي غيتاري من المطر لكن اضطررت لحمله والمطر يهطل علينا. وانتظرنا الحافلة التي ستقلّنا إلى المنطقة التي سنخيم فيها. بعد ساعة ونصف بدأنا نشتري المقتنيات التي سنأخذها معنا. فور انتهائنا قمنا بانتظار أصدقائي الذين تأخروا في الوصول. كان رذاذ الثلج يتساقط، والأجواء باردة لدرجة أن أصابع قدمي تجمّدت وبالكاد كنت أحركها. قمنا بالغناء والرقص لتدفئة أنفسنا وللحصول على شيء من المتعة.
دخلنا الغابة وكان الوقت متأخرًا، كانت الساعة الخامسة مساءً، ولم يتبق الكثير ليعمّ الليل. لم نجد المكان الذي جئنا من أجله بعد. عانينا كثيرًا في البحث، وبدأ التعب يظهر علينا. كنا فقط نتبع الطريق ونعلم أننا ربما على الطريق الخطأ. اتصلنا بصديق ليرشدنا إلى المكان، ولكن لا جديد. بدأ الظلام يحلّ ولم نخيم بعد. بدأت أشعر بالتوتر، فتفقدت الطقس فوجدت أن المطر سيهطل بعد نصف ساعة. أخبرت الأولاد أنه يجب علينا إيجاد مكان بديل لنبيت فيه الليلة، وبعدها نواصل طريقنا.
بدأنا في نصب الخيم وتجهيزها، والمطر يعطّلنا كأنه يرفض وجودنا هناك. راح كل واحد فينا يخفي أغراضه داخل خيمته. أما نحن، فعندما أنهينا التجهيز دخلنا الخيمة ننتظر توقف المطر. كنا داخل الخيمة، أخبرني أمين أنها ستكون جيدة وهو متحمس. بادلته الحماس، لكن كنت أعلم أن الأجواء ستكون صعبة وأن الأمور لن تكون بخير.
توقف المطر فخرجنا لنكمل التجهيز وبدأنا في طهي العشاء. كان جواد وأسامة هما المتكلفان بالطهي، بينما كنا نحن نهيئ المكان ونقص زوائد العشب التي كانت تعيق الحركة. بدت علينا أجواء الفرحة والضحك، رغم أن النار لم تشتعل بسبب الخشب المبلل.
أراد طه إشعال النار، فبدأ يسكب البنزين عليها. تشتعل ثم تنطفئ، وهكذا… حتى اشتعلت نار هادئة تدفئ المكان، وكنا نتناوب عليها لتدفئة أنفسنا. كان المكان ضيقًا، وكنا نقف جميعًا في مساحة صغيرة. قام طه بسكب البنزين على النار، وعند إرجاعه لعلبة البنزين تبعته النار إلى فم القارورة، فخاف. ترك العلبة فسقطت بالقرب من رامي، فاشتعلت النار في قدميه. حاول إطفاءها لكنه لم يستطع، وفجأة بدأت النار تنتشر. وقفت مصدومًا بعد أن رأيت لهيب النار يلتهم خيمة صديقي إلياس وجانبًا من خيمتي. أسرعت لإبعاد العلبة خوفًا من أن تنفجر، فضربتها بقدمي، فانتشرت النار إلى الشجر. توجهنا بعدها لإطفائها. كان من حسن حظّنا أن الشجر كان مبللًا. كنت أسمع صراخ رامي وهو يحاول إطفاء الحريق الذي شبّ فيه، وأراه يرمي نفسه على الثلج…
في لحظة تغيّر كل شيء. رأيت الموت. اعتقدت أنها النهاية. لم أتمالك نفسي فانفجرت غضبًا من ذلك الخطأ الذي كان سيكلفنا حياتنا.
كان رامي يتألم من الحروق، ولم نعرف ما الخيار المناسب! هل نبقى ورامي يحتاج إلى الإسعاف؟ أم نذهب جميعًا؟ أم يذهب رامي فقط؟ شعرت أن كل شيء ضدنا.
بعد لحظات انقسمنا. أربعة بقوا في مكانهم، والباقي ذهبوا لنقل رامي إلى منطقة يمكن لسيارة الإسعاف الوصول إليها. بقيت وحدي أفكر. كنت أؤكد لنفسي أن توقعي كان في محله، وأنني لم أكن مخطئًا. بدوت مجنونًا، فكل ذلك الخراب حدث، وما زلت أفكر في أفكاري. تمشيت قليلًا بالقرب من المكان، فسمعت صوت ذئب، فعُدت مسرعًا إلى الخيمة. انتظرت الأولاد حتى عادوا، وكان ينقصهم اثنان. أخبروني أن رامي وجواد سيبيتان في المستشفى.
لم أستطع النوم في تلك الخيمة بسبب البرد القارس. كان الوقت يمرّ بشكل غريب. أغفو قليلًا ثم أستيقظ، وهكذا حتى نمت. عندما استيقظت كان الوقت السابعة صباحًا، بعد أن عشت أسوأ ليلة في أصعب الظروف. قمنا بحمل أغراضنا وعدنا إلى الاقامة.



يقال أن أدفأ الذكريات ما صاحبها قليل من المشقة ، هل تتفق؟ هل مازال أمين يرى أن المغامرة كانت جيدة>.<؟
خلاصة القول هي أن تتبع ما يقول لك عقلك فإن كانت كل الأسباب تبدو لك معيقة فهي كذلك .لا علينا مازالت أتذكر كيف كانت هيئتك عندما رجعت إلى الغرفة كانت مضحكة لِحد الحُزن 😂